ابن كثير

311

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

البرد الحميم ومن الشراب الغساق ، وكذا قال الربيع بن أنس ، فأما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموّه والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه ، وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة ص بما أغنى عن إعادته - أجارنا اللّه من ذلك بمنه وكرمه - قال ابن جرير وقيل المراد بقوله : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً يعني النوم كما قال الكندي : [ الكامل ] بردت مراشفها عليّ فصدّني * عنها وعن قبلاتها البرد « 1 » يعني بالبرد النعاس والنوم . هكذا ذكره ولم يعزه إلى أحد . وقد رواه ابن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب ونقله عن مجاهد أيضا . وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضا . وقوله تعالى : جَزاءً وِفاقاً أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا ، قاله مجاهد وقتادة وغير واحد . ثم قال تعالى : إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً أي لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً أي وكانوا يكذبون بحجج اللّه ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله ، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة . وقوله : كِذَّاباً أي تكذيبا ، وهو مصدر من غير الفعل ، قالوا : وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة : الحلق أحب إليك أو القصار ؟ وأنشد بعضهم : [ الطويل ] لقد طال ما ثبّطتني عن صحابتي * وعن حوج قضاؤها من شفائيا « 2 » وقوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً أي وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وقوله تعالى : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً أي يقال لأهل النار : ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ ص : 58 ] ، قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد اللّه بن عمرو قال : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري ، حدثنا خالد بن عبد الرّحمن ، حدثنا جسر بن فرقد عن الحسن قال : سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب اللّه على أهل النار قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال : « أهلك القوم بمعاصيهم اللّه عز وجل » جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية .

--> ( 1 ) البيت للكندي في تفسير الطبري 12 / 406 وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 295 ، والاشتقاق ص 478 ، والأزمنة والأمكنة 2 / 15 . ( 2 ) البيت بلا نسبة في لسان العرب ( كذب ) ، ( حوج ) ، ( قضي ) ، والمخصص 12 / 222 ، وأساس البلاغة ( لوي ) ، وتاج العروس ( كذب ) ، ( حوج ) ، ( قضي )